محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
390
بدائع السلك في طبائع الملك
يتقيه ويخشاه حق تقاته ، أن لحوم العلماء مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار متنقصيهم معلومة ، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب « فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » « 873 » . قلت : ومن هذا المعنى قول الشافعي : « العلماء واسطة بين الله تعالى وعباده فمن أبغضهم ، فقد قطع الواسطة بينه وبين الله تعالى » . الفائدة الثالثة : أن حاجة الامراء لما عندهم تلجئهم ، لا محالة للرجوع إليهم . وإذ ذاك فكيف يصح الاستغناء عنهم ، ممن تمسك بشريعة . ومن ثم اختار ابن العربي : أن أولي الأمر المأمور بطاعتهم ، هم الامراء والعلماء قائلا : لان الامراء أهل « 874 » الامر منهم ، والحكم إليهم ، والعلماء يجب العمل بفتواهم مع تسميتهم حكاما في قوله تعالى : « يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ » « 875 » فرجع الامر كله للعلماء ، وزال عن الامراء لجهلهم واعتدائهم ، والعادل منهم مفتقر إلى العالم ، كافتقار الجاهل « 876 » انتهى ملخصا .
--> ( 873 ) آية 63 سورة النور رقم 24 . ( 874 ) س . و : أصل . ( 875 ) سورة المائدة رقم 5 آية 44 . ( 876 ) يقول ابن العربي معلقا على قوله تعالى في سورة النساء : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » الآية : قوله تعالى : « وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » ، فيها قولان : الأول : قال ميمون بن مهران : هم أصحاب السرايا ، وروى في ذلك حديثا ، وهو اختيار البخاري ، روى عن ابن عباس انها نزلت في عبد الله ابن حذافة إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية . الثاني : قال جابر : هم العلماء ، وبه قال أكثر التابعين . واختاره مالك . قال مطرف وابن مسلمة سمعنا مالكا يقول هم العلماء ، وقال خالد بن نزار وقفت على مالك فقلت يا أبا عبد الله ما ترى في قوله تعالى : وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ؟ قال : وكان محتبيا فحل حبوته . وكان عنده أصحاب الحديث ، ففتح عينيه في وجهي ، وعلمت ما أراد . وانما عني أهل العلم ، واختاره الطبري ، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : من أطاع أمري فقد أطاعني الحديث ، والصحيح عندي -